Monday, April 9, 2007

البكماء

في ذات الغرفة, و ذات الليلة من كل أسبوع , اجلس في استقبال مستشفى أم المصريين متقمصاً دوري كطبيب بهزالةً, يتناوب علي الناس , تختلف أشكالهم وتتشابه شكواهم , وانا وقد أتحت لقلمي حرية التصرف عني , وحتى قلمي لم يكن مثقلاً بعناء الاختيار والتفكير فما هي إلا بضعة من حقن لمداواة الأعراض غير مسموح لي بصرف غيرها لمرضاي , ومن بين هؤلاء الناس الذين مروا عليّ تلك العجوزبعينيها الغائرتين وجبهتها العريضة ووجهها المتآكل وقد حفر فيه الزمن سيرته
وعبائة سوداء ثقيلة ابتلعت ما تبقى من جسدها, دخلت علي مصطحبة ولدها الضخم ثم جلست أمامي وظلت تنظر
إليّ بصمت, فبادرتها بالسؤال المعتاد خيراً يا أمي مما تشتكين فلم ترد ,نظرت الى ابنها فهم ّ بالحديث : إن أمي امرأة
عجوز ولا تستطيع أن تتكلم .
بكماء ! أو لا يكفي ما ألاقيه من عثرة في فهم شكوى وعدم جدوى علاج المتكلمين حتي ينفحني القدر بهدية كهذه.
نظرت الى ولدها ووقلت له محاولاً التهرب من الحالة وارسالها الى أحد غيري : وكيف لي أن أعالجها وهي لا تتكلم إنها تحتاج الى أحد غيري متخصص لعلاجها.
نظر الي غاضبا: أو لست طبيباً ثم أنني ولدها منذ أربعين عاما ولم أري يوما ذلك المتخصص الذي دائماً تقولون عنه.
_ نعم طبيباً ولكنهم لم يدرسوننا كيف نعالج أبكماً في كلية الطب .
_ أو لم يخبروكم أيضاً أن الأبكم يمرض؟!
_ وما ذنبي أنا ؟
_ وما ذنب الأبكم ؟!
بائت محاولاتي في التملص من واجبي بالفشل فنظرت أخيراً للعجوز سائلاً إياها : أشيري على موطن الألم يا أمي.
فأشارت على منتصف صدرها وكأن شيئا يضغط عليه ثم أشارت على كتفها الايسر, التمعت عيناي وكأني ظفرت
بمعرفة مرضها فقد أعطتني وصفاُ تقليديا لألم الذ بحة الصدرية للقلب , ولكنها تابعت وأشارت لجنبها الايمن قلت لنفسي مازال الاحتمال الاول قائما بالاضافة الى أنه بما يكون السبب شيئاً آخر كداء في المرارة ثم أشارت الي جنبها
الايسر فأدخلت الكلى في تفكيري ثم أشارت الى قدمها ومن ثم عينيها فقلت لنفسي ربما هو السكر فهو قد يؤثر فى كل ما سبق عن طريق التأثير فى الأوعية والشعيرات الدموية فسئلت ابنها على تعاني من داء السكر فأخبرني لا وانه قام بالتحاليل من ذي قبل ولم تسفر عن شىء , نظرت الى العجوز مرة اخرى وقلت لها هل تشتكين من شيء آخر فأشارت الى عنقها وأمسكت به كأن هناك من يخنقها ثم شرعت في البكاء , هنا توقفت عن التفكيرو عن فعل اي شيء وظللت انظر الى عينيها الدامعتين .
كان لا بد أن ينتهي الموقف , رغم كل شيء لا بد أن تقوم العجوز ويأتي غيرها, وهنا تدخل قلمي ليكتب لها على حقنة مسكنة للألم , تكلمت أو لم تتكلم , استمعت اليها أو لم أستمع , في النهاية كنت سأكتب نفس الحقنة.
نظر الأبن الى الورقة ثم قال : هيّ يا أمي انها نفس الحقنة.
نظرت اليّ العجوز بخيبة أمل ثم قامت وغادرت الغرفة
.

No comments: