Wednesday, August 15, 2007

الحياة الاخرى

ماعت
منذ يومين يالصدفة قرأت هذه الرسالة التي كنت قد أرسلتها اليك ، تذكرين قد أرسلتها اليكي وانتي على مشارف العام الاخير من دراستك وانا في بداية حياتي العملية ، أما الآن وقد انتهيتي من دراستك وتبدأين البحث عن عمل فهل ستعني لكي شيئأ؟
عزيزتي ماعت
غريب حقاً أمر هذه الدنيا، أشعر أنني كدت أن أملكها ......... وهي تكاد أن تبتلعني،
واحسبني قد لملمتها بين ذراعي ........ وهي تكاد تكسر ضلوعي،
أقضي عمري
كله في قضاء ما أحسبه الأشد قيمة في هذه الحياة.......... وقيمته أقل من لاشيء، وفي أثناء ذلك أفعل من الأشياء الصغيرة التي لا أعيرها انتباهاً وأكتشف أنها أكثر قيمة من أي شيء فعلته في حياتي, فستكبرين يوما ً يا ماعت وتتوقفي لحظة عندما يكون قد أخذ منك الدهر ما أخذ لتستعرضي شريط ذكرياتك وتنظري إلى حياتك فتشعري وكأنه تاريخ شخص آخر وتسألي نفسك أي حماقة ارتكبت في حياتي حتى أكون هكذا , إلى أن تتوقفي لذكرى تلك الفتاة التي وجدتيها ملقاة في الجامعة تتشنج فأوصلتيها إلى بيتها غير عابئة بامتحاناتك
وقتها فقط ستداعب روحك نسمة من البهجة لم تمر عليك كثيرا في حياتك .وستعلمين وقتها أيضا أن حساباتنا كانت مغلوطة إلى حد بعيد.
وستنغمسين في هذه الدنيا حتى يصبح فنجان قهوة الصباح جزء من تكوين دنياك إن لم تشربيه يختل يومك، وستعتادين النظر إلى وجوه الناس في المترو وتندهشين وتسألين نفسك لما دانت مشاعر هؤلاء إلى الحد الذي جعل وجوههم تقتصر على ملمح أو أثنين من التعبير
حتى إذا أتى يوماً ونظرت إلى وجهك في الزجاج المقابل لك في المترو فتجديه وقد رسم شكلاً يشبه لحد بعيد الذي بجوارك فتصرخ نفسك ويصيبها انكسار وتحاول عبثا التمرد فتأتيها كل الأفكار الغريبة كأن تقف وتتبول أمام الناس في المترو وفي ظل هذيان نفسك تشعرين فجأة أن كل من في العربة ينظر إليك وكأنهم يعلمون بأمر شذوذ نفسك فتستسلمي وتنزعي هذه الأفكار عنك وربما تلومين نفسك لأنك نظرتي لوجوه الناس يوماً
.
وستتغير نظرتك للأمور يوماً وتكتشفين أن ما كنت تظنين انه أعقد الأمور هو في الحقيقة ابسطها ، وان ابسط الأمور هو أثمنها، وستفاجئك الدنيا دوما فتكتشفين أنك قضيتي عمرك كله لتحقيق حلم و عند تحقيقه تكتشفين أنه لم يكن حلمك أنت، وربما تحبين شخص لوقت طويل من عمرك وتكتشفي انك لم تكونين تحبي غير حبك له
.
اسأل نفسي أحياناً لماذا لم أدرس أي شيء وأتخرج لأعمل أي شيء في وظيفة حكومية في أحد المراكز التابعة لإحدى المحافظات المنسية في بلدي فأذهب متأخراً لأنني أعلم أن زميلي ـ الذ ي وقعت له بالأمس ـ قد وقع لي الحضور اليوم وأدخل المكتب فأجد زملائي الرجال
قد تجمعوا و قد فتحوا حوارا مفتوحا عن الأشكال المختلفة لحمالات الصدر للنساء وأن هناك جلسة أخرى بالغرفة المجاورة للزميلات يتحدثون عن مشاكل الرجال مع البروستاتا
حتى يأتي ساعي المصلحة ـ الذي هو أنشط من فيها وأكثرهم عملاًـ معلناً عن وقت حفلة الإفطار وأثناء ذلك نتطرق إلى ذكر العزاء الذي أقيم بالأمس في أطراف المدينة ونقضي الوقت في الحديث عن حياة المتوفى وعن أفراد عائلته إلي أن نصل بالحديث إلى ذكر حفيده المولود حديثاً وهنا يشتبك معنا أحد زملائنا من ذوي اللحى وندعوه بالشيخ فيقول انظروا إلى حكمة الخالق لقد مات عبد ليحيا أخر ثم يبدأ في الحديث عن الكون وعن العبادة والصلاة وكيفية الوضوء واهمية الجهاد والكل يومأ برأسه موافقاً من دون حتى أن يحاول الدخول في المناقشة إلي أن يصل بنا الشيخ للحديث عن المرأة وكيف فضلها الله بهذا و ذاك وأنها يجب أن تصون جسدها فهو فتنة وأنه يعيب على فتيات اليوم أنهم يلبسون ما يظهر مفاتنهم وكيف انك مجرد أن ترى الفتاة منهم فتعلم شكل حمالة الصدر التي ترتديها ،وهنا يتحمس الجميع ويعود كل منهم لسرد خبرته في أشكال حمالات الصدر المختلفة،
وهكذا ينتهي يومي كما بدأ بالحديث عن أي شيء إلا العمل.
ربما أكون أهذى ولكن حتى هذا ستدفعك فيه الدنيا فقط عندما تدخلين الحياة الأخرى
حياة العمل.

No comments: